![]() ![]() |
جدة والفئة الغالة - عادل باناعمة
2011-02-02
![]() خطبة جمعة بمسجد محمد الفاتح بتاريخ 24/2/1432هـ
- الحمدلة .
( ذاتَ يوم ..
زارَ الرئيسُ المؤتَمَنْ بعض ولايات الوطنْ وحين زار حيَّنا قال لنا : هاتوا شكاواكم بصدقٍ في العلَنْ ولا تخافوا أحداً فقد مضى ذاك الزَّمَنْ فقال صاحبي حسنْ : أين الرغيف واللبنْ؟ وأين توفيرُ السَّكَنْ ؟ وأين من يقدّم الدواء للفقير دونما ثمنْ؟ لم نر من ذلك شيئاً أبداً ياسيدي ! قال الرئيسُ في حَزَنْ: أحرَقَ ربِّي جسدي أكلُّ هذا حاصلٌ في بلدي ؟ شكراً على تنبيهنا ياولدي ! سوف ترى الخير غدا ! وبعد عامٍ زارنا ومرة ثانيةً قال لنا: هاتوا شكاواكم بصدقٍ في العَلَنْ ولا تخافوا أحداً فقد مضى ذاك الزَّمَنْ. لم يشتكِ الناسُ ، فقمتُ معلناً : أين الرغيف واللبنْ؟ وأين توفيرُ السَّكَنْ ؟ وأين من يقدّم الدواء للفقير دونما ثمنْ؟ معذرة ياسيِّدي .. وأين صاحبي حسَنْ ) !! [ لافتات3 ، ص : 18 – أحمد مطر ] تداعى هذا النصُّ ( المطريُّ ) إلى ذهني وأنا أرى حجم الكارثة التي خلفها ( مطرُ ) جدةَ في طريق عودتي إلى بيتي .. بعد 24 ساعةً من الاحتجازِ في الطريق واللجوءِ إلى بيتِ صديق!
الحالةُ واحدةٌ .. قبل عامٍ .. بل قبل عامين حصد سيل الأربعاء " أكثر من مئة شهيد .. وشرّد عشرة آلاف لاجئ .. عشرات المفقودين .. أكثر من ثلاثة آلاف بيت مدمَّر .. أكثر من ثلاثة آلاف سيارة محطمة .. عشرات الكيلومترات من الأرصفة والطرقِ والجسور تضررت .. العشراتُ من المؤسسات التعليمية – وعلى رأسها الجامعة – تعرضت لأضرار بالغةٍ .." والآن .. وبعد عامين كاملين .. يتجدَّدُ المشهدُ ذاتُهُ .. وكأنَّ شيئاً لم يكن ! وكأنَّ آذاننا لم تُصمّ من كثرةِ البياناتِ والوعودِ بتصحيح الأوضاع ومحاسبة الفاسدين وتعويض المتضررين! أين لجانُ التحقيق ؟! أين قوائمُ المتّهمين ؟! أين التقارير المرفوعة ؟! أين العقوبات المزعومة ؟! أين المليارات المعتمدة ؟! أين التصريحاتُ العنتريّةُ ؟! أين وأين وأين ؟! لاشيءَ .. كأنْ لم يكنْ بين الحَجون إلى الصفا ... أنيسٌ ولم يسمرْ بمكةَ سامرُ ما الذي يجري ؟!
بالله عليكم ما الذي يجري ؟! منذ عام 1400هـ تنشر صحيفة سعودية أن مشروع تصريف مياه أمطار جدّة قد اعتمد، وأنه سينتهي خلال ثمانية شهور! وها قد مرتْ ثنتان وثلاثون سنةً .. ولم يتمّ ذلك المشروع العتيد ! قبل عدة سنواتٍ يتمّ اعتماد بضعة مليارات لمشروع تصريف مياه السيول وتمتلئ جُدة بالحفر ويصبر الناس على أملِ الخلاصِ .. وهاهم مازالوا يموتون بمياه الأمطار ! بعد الكارثة الماضية .. وقع الناس مطالبهم بالدماء والأرواح .. وصدر البيانُ الملكيُّ الشهيرُ ينصّ على " أنّه من المتعين علينا شرعاً التصدي لهذا الأمر وتحديد المسؤولية فيه والمسؤولينعنه - جهاتٍ وأشخاصاً- ومحاسبة كل مقصر أو متهاونبكل حزم دون أن تأخذنا في ذلك لومة لائم تجاه من يثبت إخلاله بالأمانة.. مدركين أنه لا يمكن إغفال أن هناك أخطاءً أو تقصيراً من بعض الجهاتلدينا الشجاعة الكافية للإفصاح عن ذلك والتصدي لهبكل حزم ، فهؤلاء المواطنون والمقيمون أمانة في أعناقنا وفي ذمتنا". وهاهم المواطنون والمقيمون يموتون مرة ثانية ! ويغرقون مرة ثانية ! أين هي العلة ياتُرى ؟
أهيَ حقاً في ( ضخامة الحدث الكونيّ )و ( غزارة الأمطار ) ؟
وأنا محجوزٌ في سيارتي كنت أستمع لمسؤول كبير يقول مامعناه: إن معدَّل سقوط الأمطار بلغَ حدّاً كارثياً هو 110ملم! أحب أن أقول لسعادتِهِ : إن معدّل سقوط الأمطار في نابلس بفلسطين عام 2009م بلغ 587 ملم فهل غرقتْ نابلس كما غرقت جدة ؟ [http://www.usp1.ps/vb/ وأحبّ أن أقول لسعادتِهِ : إن متوسط معدل سقوط الأمطار في أندونيسيا يتراوح ما بين 721 ملم و4146 ملم! فهل غرقتْ أندونيسيا كما غرقت جدة ؟[ http://geo2all.mam9.com/t5501- وأحب أن أقول لسعادته : إن متوسط معدل سقوط الأمطار في كوالالمبور يتراوح ما بين 2000 - 2500 مم ، فهل غرقت كوالا ؟ http://ar.wikipedia.org/wiki/% وأحبّ أن أقول لسعادتِهِ : إن أهل جدّة أنفسُهُم قد سافروا ورأوا العالم، وقد زاروا مدناً يستمرُّ هطول المطر فيها يوماً كاملاً بمثل كثافة أمطار جُدة وأشد، ثم يخرجون للشارع بعد نصفِ ساعةٍ فلا يجدون للماء أثراً ! لم تغرقْ تلك المدن كما غرقتْ جُدة ! ليست المشكلةُ في معدل سقوط الأمطار . المشكلةُ في ( سقوطِ ) الأمانة، و(سقوط) الشعور بالمسؤولية، و(سُقُوط) القيام بالواجب . المشكلةُ في ( البَلاّعات ) البشرية التي بَلَعَتْ المال العام، وبخلت على أهل جدة بـ ( بلاّعةٍ ) تصرِف عنها أمطار الموتِ، ومياهَ الغرق . المشكلةُ باختصار في ( الفئةِ الغالَّة ) .. التي استمرأتِ الغُلولَ ..
أتدرون ما الغلول؟
إنّه كل قرشٍ أو هللةٍ يأخذوها مسؤولٌ فوقَ راتبه المستحقّ .. روى أبو داود في سننه عن عبدالله بن بريدة عن أبيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : ( من استعملناه على عملٍ فرزقناه رزقاً فما أخذ بعد ذلك فهو غلول ) .
فهؤلاء الذي تسنّموا مراكز القرار ثم أخذوا ما لا يحقُّ لهم ليتركوا ما يجبُ عليهم .. هم ( الفئةُ الغالَّةُ ).
الفئة التي عظَّم الله خطيئتها بقوله : ( ومن يغلُلْ يأتِ بما غلَّ يوم القيامة ثمّ تُوفَّى كلُّ نفسٍ ما كسبت وهم لا يُظلمون) . وشنّع عليها المصطفى صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة : ( لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاةٌ لها ثغاء، على رقبته فرس لها حَمْحَمة، يقول : يارسول الله أغثني، فأقول : لا أملك لك من الله شيئا، قد أبلغتك!) [ البخاري ] وعند البخاري أن رجلاً يقال له: كِرْكِرَة كان على ثقَل النبيّ صلى الله عليه وسلم فمات، فقال صلى الله عليه وسلم: ( هو في النار ) ، فذهبوا ينظرون فوجدوا عباءةً قد غلَّها ! وعند مسلمٍ : ( من استعملناه منكم على عمل، فكتَمَنا مخيطاً فما فوقه، كان غُلولا يأتي به يوم القيامة). وروى مسلم أيضاً عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأسد يقالله بن اللَّتَبِيَّةِ على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا لي أهديلي، قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وقال: ( مابال عامل أبعثه فيقول هذا لكم وهذا أهدي لي؟ أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمه حتىينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا ينال أحد منكم منها شيئاً إلا جاء بهيوم القيامة يحمله على عنقه، بعيرٌ له رُغاء، أو بقرةٌ لها خُوار، أو شاةٌ تَيْعَرُ)، ثم رفع يديهحتى رأينا عفرتي إبطيه ثم قال: (اللهم هل بلغت؟) مرتين. وعن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فلما سرتُ أرسل في أثري فرددتُ، فقال صلى الله عليه وسلم: (أتدري لم بعثت إليك ؟ لا تصيبنّ شيئاً بغير إذني، فإنَّه غُلول، ((ومن يَغْلُلْ يأتِ بما غَلَّ يوم القيامة)) لهذا دعوتك، فامض لعملك.) [الترمذي] وهكذا يردّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عامله من الطريق لينبهه على خطر الغُلول! وعلى خطيئةِ أن يأخذَ شيئاً غير مافُرِضَ له. وانظروا بعد هذا كله .. كم تعاقبَ على جُدَّةَ بسائر مرافقها وإداراتها من أفراد هذه الفئة ! كم سُلِبَ من مال ؟ وكم ضيّعت من مشاريع ؟ وكم اعتمدتْ من مخططات قاتلة تحت بريقِ المال ؟ كم ؟ وكم ؟!! وأكادُ أقسمُ أننا لو تعاملنا مع ( الفئة الغالّة ) كما تعاملنا مع ( الفئة الضالّة ) لما أصاب جدة اليوم ما أصابَها !
لقد عرفتِ الدولةُ – مشكورة مأجورة - كيف تحكم السيطرة على (الفئة الضالة) ، واستطاعت حين أرادتْ أن توقف أولئك المفسدين عند حدّهم، وذلك يُحسَبُ لها قطعاً .. لكنَّ ( الفئة الغالّة ) وللأسف لم تواجَهْ بذاتِ الجدّية .. ولا حُوربَتْ بذات الكفاءة ! لماذا ؟ لا أدري !! ولعلّي أدري !! هناك أمرانِ لابدّ في كل بلدٍ منهما ليتوقف زحف الفئة الغالة :
أولهما : أن يكون في هذا البلدِ تقديرٌ لقيمة الإنسانِ من حيثُ هو إنسانٌ، أن تُحفظَ للإنسان كرامته التي أعطاه الله إياها ( ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر ورزقناهم من الطيباتِ وفضلناهم على كثيرٍ ممن خلقنا تفضيلاً ).
لقد جعل الإسلام للإنسان قيمةً عاليةً، عاليةً جداً، لاتوزايها حتى قيمةُ الكعبة المشرفة! وقد جاء في أثرٍ نبّه على نكارتِهِ بعضُ أهل العلمِ : (لأن تهدم الكعبة حجراً حجراً أهون عند الله من أن يراق دم امرئ مسلم) [المقاصد الحسنة للسخاوي] ألم يُسجدِ الله ملائكته لهذا الإنسان ؟ ألم يصنعه بيديه وينفخ فيه من روحه ؟ ألم يجعل فيه النبوّة ؟ ألم يعظِّم أشدّ التعظيم العدوان على النفس البشرية ؟ فقال جل جلاله: ( ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنّم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيما ) . وروى البيهقى عن ابن عمر رضى الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليهوسلم قال: ( منأعان على دم امرىء مسلم بشطر كلمة كتب الله بين عينيه يوم القيامة أيس منرحمة الله ). بشطرِ كلمة ! فكيف من أعان على دمِهِ بسرقةٍ وفسادٍ وخيانة؟ وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وكان عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه ينهى قادته عن خوض البحرِ خوفاً على المسلمين. هذا هو الإنسانُ في نظر الإسلام .. قيمةٌ عليا .. نفسٌ محترمةٌ .. كيانٌ مقدّرٌ .. أما حين يتحوّل الإنسانُ إلى مجرّدِ رقمٍ، إلى مجردِ خانةٍ، إلى مجردِ واحدٍ من الشعب ! فحينها توقّع أن تجدَ مسؤولاً يقول: الحمدلله، لم يمت في هذه السيول إلا أربعة ! وكأنَّ الأربعةَ مجرد رقم .. كأنّها ليست أربع أرواح .. لكل روح منها حياةٌ وأحلامٌ وطموحاتٌ وأهل وأقرباءُ وأحبابٌ وأصدقاء! اصنعوا كرامة الإنسان .. أحيوها .. وستنزوي الفئاتُ الغالّة في جحورها. وثاني كواسح الفئة الغالّة : المحاسبةُ الشعبيةُ .
عندما يشعرُ كلُّ مسؤول أنه مراقبٌ ومحاسبٌ ومتابَعٌ لا ممن هو فوقه فحسب، بل من كل من ينبغي أن يستفيد من خدماتِهِ .. فحينها سيعمل بإخلاصٍ أو ينصرف .. أو يُصرَف. لقد ناءتْ جُدّةُ من طول المجاملاتِ، ومن عباراتٍ مثل: ماقصرت طال عمرك، وكل شي تمام، والله يعطيكم العافية، وحنّا بخير، ومانبي إلا سلامتكم!! حان الوقتُ – لا لإعلان المطالب فحسب – بل للمحاسبةِ الحقيقيةِ لمن تعمّد التقصير والتفريط، لمن غشّ وخان، لمن ضيّع الأمانة، لم باع جُدة وأهلها بثمنٍ بخسٍ . وإذا لم تقم الجهاتُ المسؤولةُ بالمحاسبةِ فإنّ الشعب قادرٌ على أن يحاسبَ، لا بالفوضى والاعتداء، فما من عاقل يدعو للفوضى، ولكن بإظهار الحقائق .. أظهروا الحقائق على الملأ وسيكون هذا وحده حساباً عسيراً لكلِّ مقصِّرٍ . يارموز الفئة الغالة ..
أمالكم في عمر بن عبد العزيز رحمه الله أسوةً حسنةً ؟ حين ولي عمر رحمه الله احتجب عن الناس ثلاثاً لا يدخل عليه أحد، وذلك ليراجع سجلات إقطاعاته وإقطاعات بني أمية ، ثم جلس للناس بعد ثلاث وقال: إن هؤلاء – يعني خلفاء بني أمية السابقين – قد أعطونا عطايا ما كان ينبغي لنا أن نأخذها وما كان ينبغي أن يعطوناها، وإني قد رأيت ذلك ليس عليَّ فيه من دون الله محاسب، وإني قد بدأت بنفسي وأهل بيتي ، اقرأ يامزاحمُ، فجعل مزاحمُ يقرأ الصكوك التي تشهدُ بملكية عمر للأراضي والمزارع، وكلما قرأ رقعة أخذها عمر فمزّقها وقصها. [ قدوة الحكام : 127] هكذا بدأ عمر بنفسه، ثم التفت إلى أهله، فأمر زوجه أن ترد كل عطاياها أو أن يسرّحها بإحسان، فاختارتْهُ وأرجعت كل حليها وجواهرها وملابسها. ثم التفت إلى عمّاله فحال بينهم وبين أخذ ما لايحل لهم، وخطب في الناس قائلا: لا أعلمنّ أنكم قد بعثتم إلى أحد من أهل عملي بشيء! ثم التفت إلى الناسَ فأسقط المكوس والجباياتِ، حتى خاف ولاته من خلوّ بيت المال، فكتب إليه أحدُهُم يحذره فقال له: " أدِّ مافيه فإذا لم يبقَ فيه شيءٌ فاملأه زِبلاً أو وَحْلاً "!![ قدوة الحكام : 387 ] وكان بعض من سبق عمر من الولاةِ قد فرض على الذميّ بقاء الجزية حتى لو أسلم بحجّة دعم بيت المال، فأبطل عمرُ ذلك، فكتب إليه واليه على البصرةِ أنّ الناس قد كثروا في الإسلام وخفتُ أن يقل الخراج، فتأتيه الإجابة: وددتُ لو أن الناس كلهم أسلموا حتى نكون أنا وأنت حرَّاثين نأكل من كسب أيدينا " [ قدوة الحكام : 387] لقد "كان عمر يعلم يقيناً أن العدالة الحقّة، والرحمة العامة، والإصلاح الحقيقي، يُدِرُّ على بيت المال أضعاف ما يدره الظلم والجورُ والاستبداد" ثم بعد ذلك كله، ومع كل هذا الاحتياطِ، لم يرض لنفسه أن يأخذَ مما اؤتمن عليه إلا ما هو أجرةٌ له، ورفض أن يسخِّر إمكانات الدولة لمصلحتِهِ الشخصية، حتى إنّه كتب لعامله يوما أن يشتري له عسلاً، فاشتراه وحمله على مركبة البريد، فلما علم ذلك أمر ببيع العسل وجعل ثمنه في بيت مال المسلمين، وقال: أفسدتَ علينا عسلنا! رفض أن يُحمل متاعه الخاص على بريد المسلمين العام لأنه لا يحق له ! بل بلغ به الأمر ألا يقرأ على شمعةِ الديوانِ إلا ما كان من شأن الخلافة وأمور الدولة، فإذا صار إلى شؤونه الخاصة أوقد سراجاً له اشتراه بحرّ ماله! وجيء ذات يوم بعَنْبرةٍ من الفيء، فأخذها بيده فمسحها، ثم أمر بها لتباع وتكون في بيت المال، ثم إنّه مر بيده على أنفه فوجد لها ريحاً ! فأمر بالماء فتوضّأ .. فقال له كاتبه : ماهذا الذي أصبتَ منها حتى تتوضأ؟ فقال: عجباً لك ياليث، وهل ينتفع منها إلا بهذا ؟ أتؤكل أو تشرب ؟ [ قدوة الحكام: 155] أيها المسؤولون .. لسنا نريدُ منكم أن تكونوا مثل عمر ..
ولكن .. على الأقل .. إذا سرقتم فلا تسرقوا على حساب أرواحنا .. أيّها الأعزَّاء ..
إنَّ الجرحَ أكبرُ من أن يحتمله قلبٌ .. لقد رأيتُ كما رأيتم عشراتِ الصورِ .. رأينا أمهاتنا وأخواتنا عالقات وسط المياه أو محمولاتٍ في قلابات ! ورأينا السياراتِ وهي تنجرفُ مع السيل ! ورأينا الشوارع وقد صارت طبقاً واحداً وكأنها بحر عظيم ، ورأينا ذلك الرجلَ يصارعُ الموتَ وهو فوق سيارتِهِ والسيل يجرفُها إلى أن سقط منها وأطبقتْ عليه !! ورأينا ذلك الطفل الملقى ميتاً بجوار عمود الإنارة .. رأينا الكثيرَ مما يندى له الجبين، ويبكي له القلبُ . ولكنّ هناك صورةً لعلنا لم نرها .. صورة الفقراء المساكين الذين ذهب المطرُ بكل ما يملكون !! "هاهي الجدة خديجة تترك باب بيتها مفتوحاً .. لم تحمل نفسها عناء ( إغلاق الباب ) .. والتمتع ببعض الخصوصية داخل المنزل .. لا لشيء وإنما لأنه لم يعد لديها منزل أصلاً ! أُتلف كل الأثاث .. وانهار سقف المنزل .. وفاضت مياه المجاري داخل منزلها .. ففتحت الباب وأراحت نفسها .. علًها إن غرقت تجد من يدخل فينقذها بسهولة !" [ من مقالة للأستاذ بندر بن محمد ] حكاية الجدة خديجة لها مئات الأشباه .. فلك الله ياجدة .. ياعروساً زحفَ الشيبُ إليها
راسماً فوق الجبينِ الحرِّ أحزان السنينْ يابقايا كبرياءٍ .. غالَها المفسِدُ والطبَّالُ والراشي وتضييعُ ( الأمينْ )! منْ ترى يمسحُ دمعاً .. خطّ في خديكِ عنوان الأنين ؟! من ؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن نكون نحنُ جزءاً من جوابه، لا أن نبحث عن جوابِهِ فحسب. من سيزيلُ هذا الألم كله ؟ وماذا عليه أن يفعل ؟! هذا ما ينبغي أن نفكر فيه . لا أجدُ حرجاً أبداً رغم كل ما سبق أن أذكر نفسي وإخواني أنّ من واجبنا في مثل هذه الأحوال اللجوء إلى الله والتوبة والإنابة.
قلتُ لا أجدُ حرجاً لأنّ خطاباً عالياً ملأ الانترنت يزعمُ أنَّ الطرح الإيمانيّ في مثل هذه الكوارثِ طرحٌ مخدّرٌ.. وأنّه لا ينبغي أن يعلو صوتٌ على صوتِ المحاسبة وحرب الإفساد ! وهذه نظرية متطرفةٌ في الحلول أسميها نظرية الحل الواحد ! عندما تنزل كارثةٌ ما فليس من الصوابِ أن نقدّم ( حلاّ ) ما على أنّه الحلُّ الوحيد .. ثمّ ننحي باللوم والتقريع على من أخذ بغيره !
كم هو جميل أن تترافد الحلول .. وتتعاضدَ الجهود .. ليس صواباً أن نسخر ممن يكتب أو يخطب أو يتكلم بحجة أن الناس ملّوا من الكلام ويريدون العمل .. وليس صواباً أن نرفض الحديث عن الصبر والإيمان بالقضاء والقدر بحجةِ ضرورة الحديث عن الفساد والمفسدين .. وليس صواباً أن نثرّب على الإئمة إذا قنتوا بحجّة أن الأولى بهم أن يكونوا في الميدان .. كل ذلك ينبغي .. كل ذلك ينبغي .. كل ذلك ينبغي .. العيبُ أن نقتصر على حلّ واحدٍ مهما كان مهماً .. والعيب أن تختل الأولويات فيأخذ أحد الحلول مساحةً غيره أولى بها .. إذنْ فالتذكير بالله والتوبة والإنابة حلٌّ من الحلول لايلزمُ من الأخذ به ترك غيره.
ودعوني أتجاوزُ هنا ذلك الجدل العقيم حول كون هذه السيول عقوبة لأهل جدة أم لا، وأنتقلُ إلى رؤيةٍ أخرى هي حقيقةُ أنّ ماحصل هو مظهر من مظاهر قدرة الله جل جلاله إذْ جعل من الماء الذي هو سرُّ الحياةِ كائناً مدمراً لا يقف في طريقِهِ شيءٌ. وهذه الجهةُ وحدها كافيةٌ لأنْ يجدَ المؤمن نفسه مضطراً للاستغفار والتوبة والإنابةِ لهذا الرب القادرِ سبحانه. ولأن يكون متخوفاً من عقوبة الله وسخطِهِ. وخوف المؤمن – وإن كان صالحاً تقياً - من عقوبةِ الله مشروعٌ، فقد كان المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو أشرف الخلقِ إِذَا رَأَى مَخِيلَةً فِي السَّمَاءِ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ وَدَخَلَ وَخَرَجَ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ فَإِذَا أَمْطَرَتْ السَّمَاءُ سُرِّيَ عَنْهُ فَعَرَّفَتْهُ عَائِشَةُ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قَوْمٌ: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ }. [ البخاري ] ومن الواجب إيضاً الرضا بقضاء الله .. رضاً قلبياً لا رضاً يدفعُ لإهمال العمل ومحاسبة المتسبب .. فإنَّ من سمتِ المؤمن أن يؤمنَ أن قضاء الله حتمٌ، وقدره نافذٌ، فقد قال تعالى : (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [ الحديد ]، وقال صلى الله عليه وسلم : وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ . [ الترمذي] ومن سمت المؤمن ألا يتسخط قضاء الله، وأن يؤمنَ أن فيه خيراً علمه أو جهله. والله يقول: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم ). وعلة عدم التسخطِ أنَّ المؤمن يدركُ أن كل ما يقضيه الله فيه وجه من وجوه الخير، فعن أنس رضي الله عنه قال : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَجِبْتُ لِلْمُؤْمِنِ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْضِ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ. [ أحمد ] وفي الحديث : ( والشر ليس إليك ) [ النسائي ]، وقد نقل النووي عن بعض أهل العلم في تفسير هذا : أي " الشَّرّ لَيْسَ شَرًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْك فَإِنَّك خَلَقْته بِحِكْمَةٍ بَالِغَة ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ". ذلك أولُ العملِ .. أو قل: أضعفُ الإيمانِ وللإيمانِ من بعدُ مراتبُ ودرجاتٌ. الأمر الثاني : ألا ننشغل بالبحث عن كبش فداءٍ .. وأن ندرك أنَّ هذه الكوارث إرث سنين من الإهمال وليست فعل رجل واحدٍ .. نعم كلٌّ مسؤول .. لكن سياسة كبش الفداء لاتعطي ثمرة تامَّةً وإن كانت مريحةً نفسياً .. ولذلك لامعنى عندي لشتم مسؤولٍ معين، ولا لإلقاء اللوم كله على شخصين أو ثلاثة .
علينا أن ندرك أن دم جدة قد توزع في القبائل وأننا نحنُ أنفسنا لانخلو من ملامةٍ بسكوتنا الطويل عن حقوقنا وحقوق جدة علينا، وقد فصّلتُ في خطبة ( جدة الشهيدة ) هذا المعنى بما لا داعي لتكراره . [ انظر هذه الخطبة هنا : http://banaemah.com/Pspeech1. لكن من الضروري أن أعيد التساؤل معكم لندرك أننا أيضا مسؤولون : "متى حمل أحدنا همّ مدينته ؟ كم هو حجم ( اللامبالاة ) الذي يطبع تصرفاتنا تُجاه مدينتا ؟ لايهتم الواحد منا إلا بنفسه .. فإذا نظف أمام بيته ومكان سيارته لم يبال بالشارع كيف كان ! وإذا تعامل مع مرافق عامة لم يبال أن يتلفها لأنها ليست له! وإذا استوى شارعه غفل عن بقية الشوارع ! وإذا سلمَ حيُّهُ لم يهتمَّ ببقية الأحياء ! نحن كمجتمع يعيش في جدة لم ننمّ في أنفسنا حسّ الولاء لمدينتنا والحرص عليها ، والبحث عن حقوقها ، ورفع الصوت بطلبها . وبالتالي صمتنا طويلاً على حقوقها وهي تنتهك .. والآن هاهي تنتفض غاضبة .. هاهي تذيقنا طعم تجاهلها والتصامم عن نداءاتها . لن أكون أحمقَ فأسوي بين الجاني والضحية .. ولن أكون خفيف العقل فأوزع المسؤولية بالتساوي .. كلا .. فشتان بين ساكنٍ مسكين تجاوز قليلاً فرمى ورقة في الشارع وبين مقاول جشعٍ لم يتقن عمله فهوى الطريق وهوت معه أرواح ! وشتان بين مواطنٍ غفل عن خزانه فطفحت مياه الصرف الصحي، وبين مسؤول متنفذ أكل الملايين المرصودة لتخليص جدة من مائها الملوّث، وترك الناس يموتون! شتان شتان بين الفريقين .. ولكن بالنهاية ..كل يتحمّل قدره من المسؤولية . وعلى كلٍّ قطرةٌ من دماء المدينة الشهيدة" . لن أرجعَ عما قررتُه من قبل من ضرورة المحاسبة .. ولكنّ هذا شيء .. ومجرد التعلّقِ بأكباشِ فداءٍ شيء آخر ...
= الخطبة الثانية - الحمدلة لا بد بعد اليوم أن يهتم أهل جدة لقضاياهم بأنفسهم . لا على مستوى العلاج فحسب .. بل على مستوى الوقاية والتخطيط للمستقبل . نعم لسنا حكومة .. ولا نريد أن نفتئت على عمل الحكومة بحال .. فنحن كنا ومازلنا مواطنين نعرف معنى المواطنة ومعنى الراعي والرعية، وندين بالولاء لحكّام هذه البلادِ. بيد أننا لا نريد أن نظل رهناً لأمزجةِ المتنفذين، وتحت رحمةِ اجتهادهم أو تقصيرهم . نريد أن يرتفع صوتنا بأفكارنا ورؤى خبرائنا لصالح جدة، وبالمشاريع التي لابدّ منها، نريد أن يجتمع تجارُنا ليدعموا، ومهندسونا ليشيروا ويخططوا، وأطباؤنا ليعالجوا مرضانا ويبنوا مستشفياتنا ، وشبابُنا ليعملوا وينفذوا. نريد أن ترتفع أصواتنا بالمطالب العادلة، مستثمرين في ذلك توجُّهَ أعلى سلطة في البلد إلى هذا المعنى، وتصريحَها بضرورة تفعيله، ولابد على المحامين والقانونيين أن يعرفونا بما لنا وما علينا ، وألا نتوانى عن رفع قضية تُجاه تقصير بيِّنٍ نلاحظُهُ ، إن الكتابة للمسؤولين والحديث في وسائل الإعلام ومنتديات الانترنت يجعل للقضية حضوراً ويدفعُ دفعاً إلى حلّها ، ويجعل المسؤول في حرجٍ بالغٍ إن قصّر أو فرَّط . وحبذا لو تبنت جهاتٌ أو وجهاءُ إنشاءَ تجمعاتٍ شعبيةٍ تعتني بهذه القضايا. وأما محور العمل الميداني لتخفيف آثار الكارثة فهو عملُ الساعةِ، وسبيله التعاونُ مع الفرق العاملة التطوعية، بحيث يعطي كل واحدٍ من وقته وجهد ما يستطيع بالتنسيق مع العاملين في هذا المجال، وسيكون من تعاوننا جميعاً بإذن الله أثرٌ حميدٌ، ونتيجةٌ مباركةٌ.
وأرجو أن يكون لفريقِ حيّنا (فريق وصل) دور رائد في التنسيق بين المتطوعين من أبناء حينا وبين الجهاتِ المعنيّةِ، وأحسب أن لديهم تصوراً لهذا. وبعد يا أحبة ..
فقد قال صلى الله عليه وسلم : ( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ) . فعسى أن يكون فيما جرى خير .. على الأقل نبهنا من غفلتنا وفتّح أعيننا على المسار الصحيح . وأنت ياجدة .. رغم كل شيء .. أنتِ : أنت دنيا رفافةٌ بمنى الروح وكون بالمعجزاتِ نطوقُ رضي القيدَ في حماك فؤادٌ عاش كالطير دأبه التحليقُ حبذا الأسر في هواك حبيبا بهوى الفكر والمنى ما يضيقُ [ شحاته] الشيخ عادل أحمد با ناعمة |
![]()
الاحصائيات |